الفيض الكاشاني

114

أنوار الحكمة

سرّ مستسرّ [ نسبة الأفعال إلى اللّه تعالى والعبد ] قد دريت أنّ الموجودات - على تفاوتها وترتّبها في الشرف الوجوديّ وتخالفها في الذوات والأفعال وتباينها في الصفات ، تجمعها حقيقة واحدة إلهيّة جامعة لجميع حقائقها ودرجاتها وطبقاتها ، مع أنّ تلك الحقيقة في غاية البساطة والأحديّة ، ينفذ نوره في أقطار الجميع ، فكما أنّه ليس شأن إلّا وهو شأنه ، فكذلك ليس فعل إلّا وهو فعله ، ولا حكم إلّا له ، ولا حول ولا قوّة إلا باللّه العليّ العظيم . يعني كلّ حول وكلّ قوّة قوّته مع علوّه وعظمته ، فهو مع علوّه وعظمته يتنزّل منازل الأشياء ويفعل فعلها ، كما أنّه مع تجرّده وتقدّسه عن الأكوان لا يخلو منه أرض ولا سماء . كما قال إمام الموحّدين : « مع كلّ شيء لا بمقارنة « 1 » وغير كل شيء لا بمزايلة » . فنسبة الفعل والإيجاد إلى العبد صحيح ، كنسبة الوجود والتشخّص إليه من الوجه الذي ينسب إليه تعالى ؛ كما أنّ وجود زيد بعينه أمر متحقّق في الواقع ، وهو شأن من شؤون الحقّ الأول ولمعة من لمعات وجهه . فكذلك هو فاعل لما يصدر عنه بالحقيقة - لا بالمجاز - ومع ذلك ففعله أحد أفاعيل الحقّ الأول بلا شوب قصور وتشبيه ؛ تعالى الواحد القيّوم عن نسبة النقص والشين إليه . فالتنزيه والتقديس للّه سبحانه بحاله ، لأنّه راجع إلى مقام الأحديّة التي يستهلك فيه كلّ شيء ، وهو الواحد القهّار الذي ليس أحد غيره في الدار . والتشبيه راجع إلى مقامات الكثرة والمعلوميّة ، والمحامد كلّها راجعة إلى وجهه الأحدي ، وله عواقب الثناء والتقاديس .

--> ( 1 ) مل : لا بمقايرة .